الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
321
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
إلى شذوذ والسيد العميدي إلى الأقل وحينئذ فإما أن يكون موضوعا لمطلق طلب الترك الشامل للوجهين كما هو المصرح به في كلام بعض هؤلاء أو يكون موضوعا لخصوص المرة وحكاه في غاية المأمول حيث قال إن القائلين بعدم الدوام منهم من ذهب إلى أنه المرة فقط ومنهم من يجعله مشتركا بينها وبين التكرار بحيث توقف العلم بأحدهما على دليل من خارج كما في الأمر فيكون الأقوال ثلاثة وربما يحكى هنا قول رابع وهو وضعه لهما على سبيل الاشتراك اللفظي وقد يعزى ذلك إلى السيدين كما هو قضية مذهبهما من أصالة الاشتراك اللفظي فيما يستعمل في معنيين وخامس وهو القول بالتوقف حكاه الشيخ في العدة عن بعض والحق عندنا وضع الصيغة لمجرد طلب ترك مطلق الطبيعة المعراة عن الوحدة والكثرة على حذو ما مر في الأمر وقد تقدم الدليل عليه وحينئذ نقول إن النهي إن لم يقيد أفاد طلب ترك الطبيعة المطلقة أعني المفهوم اللا بشرط ولا يمكن حصوله إلا بترك جميع الأفراد بخلاف طلب إيجاد الطبيعة فإنه يحصل أداؤه بإيجاد فرد من أفرادها والفرق بين الأمرين أن إيجاد المطلق حاصل بإيجاد فرد منه فإذا حصل ذلك حصل به أداء المأمور به والإتيان بالمنهي عنه فيحصل امتثال الأمر ومخالفته النهي بإيجاد فرد من الطبيعة فلا بد إذن في حصول امتثال النهي من ترك المخالفة الحاصلة بترك كل فرد من أفراد المنهي عنه وهو ما أردناه وليس تركها في جنس بعض الأفراد تركا للطبيعة المطلقة وإنما هو ترك للطبيعة المقيدة وترك المقيد لا يستلزم ترك المطلق كما أن فعله يستلزم فعله حسب ما عرفت هذا مع إطلاق النهي وأما إذا قيد الطبيعة بزمان مخصوص أو قيد خاص لم يكن هناك تجوز في الصيغة ولا في المادة لصدق اللا بشرط في ذلك أيضا والحاصل أن النهي موضوع لطلب ترك مطلق الطبيعة وهو قدر جامع بين طلب ترك الطبيعة المطلقة والمقيدة فإن وجد هناك قيد انصرف إلى الثاني وكان حصوله في ضمن المقيد وإلا انصرف إلى المطلق إذ مع عدم القيد لا يكون مفاد اللفظ إلا المطلق فلا يكون النهي مع الإطلاق دائرا بين أمرين ليكون مجملا غير منصرف بحسب اللفظ إلى أحد الوجهين فإن قلت إن المراد بالطبيعة في المقام إما الطبيعة من حيث هي أو من حيث حصولها أو من حيث حصولها في ضمن الفرد لا سبيل إلى الأول فإن الأحكام الشرعية بل وغيرها من الأحكام المتداولة بين أهل العرف واللغة بل وأرباب العلوم العقلية إنما يذهب إلى الطبائع من حيث وجودها في ضمن الفرد لعدم العبرة بالقضية الطبيعية وأما الثاني فإما أن يراد من حيث حصولها في ضمن الفرد في الجملة في ضمن جميع الأفراد ولا يثبت إرادة الدوام إلا في الصورة الثانية وإرادتها في المقام أول الدعوى غاية ما يسلم إرادة ترك الطبيعة في ضمن الفرد في الجملة فإن قلت قد عرفت أن المبادي المأخوذة في الأفعال بمعنى الطبائع المطلقة وجب أن الطلب الحاصل في الأمر والنهي إنما يتعلق بالإيجاد والترك لا حاجة إلى اعتبار حقيقة الحصول في ضمن الفرد في مدلول المادة فإن إيجاد الطبيعة إنما يكون بإيجاد فردها وتركها إنما يكون بترك جميع أفرادها حسب ما عرفت فمرجع الأمر في ذلك إلى المحصورة وإن لم يلاحظ الحصول في ضمن الفرد في خصوص مواردها ولو سلم كون الطبائع المدلولة لمواردها ملحوظة من حيث وجودها في ضمن الفرد فهو أيضا كاف في المقام لأن المرجع فيها إلى النكرة وهي يفيد العموم في المقام فإن ترك مطلق الطبيعة في ضمن الفرد أنما يكون ترك جميع أفرادها لعين ما مر نعم لو كان مفاد ذلك حصول الترك في ضمن الفرد في الجملة تم ذلك إلا أنه ليس من مدلول الصيغة في شيء هذا مع النص عن كون الدوام لازما عقليا للنهي على الوجه المذكور فلا شك في كون ذلك هو المنساق منه عرفا فلا أقل إذن من الظهور العرفي لو لم نقل باللزوم العقلي ومع انفهام ذلك في العرف يكاد يشبه إنكار الضروريات كما لا يخفى على من تأمل في الاستعمالات وموارد الإطلاقات ثم إن بعض الأفاضل بعد ما أنكر ثبوت الدلالة على كل من الوجهين المذكورين تمسك في دلالة النواهي المطلقة على الدوام بوجه ثالث وذلك بالرجوع إلى دليل الحكمة إذ لا وجه لإرادة النهي عن الفعل في وقت غير مبين لما فيه من الإغراء بالجهل ولا يعين لانتفائه التعيين إذ المفروض إطلاق النهي فتعين إرادة النهي عنه على الوجه العموم وأنت خبير بما فيه فإنه مدفوع أولا بالنقض بالأمر فإنه لا وجه لإرادة الإتيان به في زمان معين لانتفاء التعين ولا في زمان غير معين لما فيه من الإغراء بالجهل فتعين إرادة الدوام مع أنه لا يقول به وثانيا بأن هناك احتمالا آخر وهو إرادة التخيير في أداء المطلوب بالنسبة إلى الأزمنة كما هو الحال في الأمر فإذا كان الحال في النهي نظير الأمر في عدم الدلالة على الدوام يرى فيه التخيير يثبت في الأمر قوله إن النهي يقتضي منع المكلف من إدخال جهة الفعل إلى آخره يمكن تقرير هذه الحجة بوجهين أحدهما ما أشرنا إليه من الرجوع إلى العقل بعد إثبات دلالة اللفظ على المنع من إدخال طبيعة الفعل في الوجود وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر الآية ويرد عليه حينئذ أن ذلك إنما يقتضي كون الدوام مدلولا التزاميا لطلب ترك الطبيعة سواء أدى ذلك بصيغة النهي أو بغيره فلا يفيد وضع الصيغة للدوام فإن أريد بذلك بيان وضع الصيغة له فهو ظاهر الفساد وإن أريد به بيان الدلالة الالتزامية فهو متجه كما ترى القول فيه إلا أنه مخالف لما يظهر من كلامه في آخر المبحث لظهوره في دعوى الوضع للدوام وقد يورد عليه أيضا بأنه إن أريد بالمنع من إدخال الماهية في الوجود دائما في أول الكلام وإن أريد بالمنع من إدخاله في الوجود في الجملة فغاية ما يقتضيه عدم إدخال شيء من أفراد الماهية في الوجود في بعض الأوقات لصدق عدم إدخال الماهية في الوجود مع عدم إيجاد شيء من أفراد ما هي بعض الأزمنة ويدفعه ما عرفت من أن عدم إيجاد الطبيعة المطلقة لا يصدق إلا بتركها بالمرة دون ما إذا تركها في وقت وأتي بها في آخر لظهور صدق إتيانه حينئذ بالطبيعة وهو لا يجامع صدق تركها لها غاية الأمر أن يصدق تركه للطبيعة في الزمان المفروض وهو لا يستلزم صدق ترك الطبيعة مطلقا كما عرفت ويشهد له أن المنع من الترك الحاصل بإيجاب الفعل إنما يقتضي عدم ترك الفعل مطلقا كيف ولو صدق ترك الفعل مع ترك جميع أفرادها من الأوان لزم القول بالملازمة بين الأمر والنهي في الدلالة على الدوام مع أنهم لا يقولون به فإن وجوب الشيء يستلزم المنع من تركه أو بتضمنه حسب ما مر